من يصنع وعي المصريين؟.. حين تنتصر الشاشة على العقل




في زمن الذكاء الاصطناعي والشائعات.. هل نُخرّج أجيالًا تفكر أم عقولًا تكتفي باستهلاك المعلومات؟


     للحديث بقية بقلم: حسام حشاد


لماذا أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى، بينما أصبح التحقق منها أصعب؟ وكيف تحول هاتف صغير في أيدي الملايين إلى ساحة تصنع الرأي العام، وتروّج الشائعات، وتمنح أحيانًا الأكاذيب قدرة على الانتشار تفوق قدرة الحقيقة على الدفاع عن نفسها؟


المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في مجتمع يستهلك المعلومات أسرع مما يفهمها، ويتداول الأخبار قبل التحقق منها، وقد يحاكم الأشخاص والقضايا بمقطع مبتور أو منشور مجهول المصدر. 


وفي زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي صناعة صور وأصوات ومشاهد يصعب التمييز بين الحقيقي والمصطنع فيها، لم يعد الخطر الأكبر هو نقص المعلومات، بل الثقة العمياء في معلومات لم نختبر صحتها.


لكن السؤال الأكثر إزعاجًا هو: إذا كانت المدرسة تعلّم أبناءنا الإجابات، فمن يعلّمهم كيف يميزون الحقيقة من التضليل؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية؛ قضية التعليم الذي قد ينجح في تخريج طالب متفوق في الامتحان، لكنه لا يمنحه بالضرورة أدوات التفكير النقدي، وقضية الأسرة التي تنافسها الشاشات على عقول أبنائها، وإعلام يواجه تحديًا متصاعدًا في زمن أصبحت فيه الشائعة خبرًا متداولًا قبل أن تصل الحقيقة إلى الجمهور.


فالتعليم لم يعد مجرد مناهج وامتحانات وشهادات، بل أصبح خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع. ولم يعد كافيًا أن نحشو عقول الطلاب بالمعلومات، بينما يحتاجون إلى مهارات البحث والتحليل، وفحص المصادر، ومناقشة الأفكار بالحجة والدليل. فالطالب الذي يحفظ الإجابة دون أن يفهمها قد ينجح في امتحان، لكنه يظل أقل استعدادًا لمواجهة عالم تتغير أدواته وتتعقد تحدياته.


ومن هنا، فإن تطوير التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند تحديث المناهج أو إدخال التكنولوجيا إلى الفصول، بل يجب أن يمتد إلى بناء عقل قادر على السؤال والمقارنة والاستنتاج، وإلى تأهيل المعلمين وتوفير بيئة تعليمية تشجع على الحوار والإبداع، وتربط المعرفة بحياة الطلاب واحتياجات مجتمعهم.


لكن المدرسة، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تصنع الوعي؛ فالأسرة شريك أساسي في تشكيل شخصية الأبناء وترسيخ قيمهم. وفي ظل الحضور المتزايد للهواتف ومنصات التواصل، لم يعد المنع وحده حلًا كافيًا، بل أصبح الحوار والقدوة ووضع ضوابط للاستخدام وتشجيع القراءة والأنشطة الثقافية ضرورة حقيقية.


 فالأبناء يحتاجون إلى من يساعدهم على فهم ما يشاهدونه، والتمييز بين المحتوى النافع والمضلل، لا إلى أوامر متواصلة تنتهي بمجرد ابتعاد الرقابة عنهم.


أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد فتحت أبوابًا واسعة للمعرفة والتعبير، لكنها جعلت الانفعال أسرع من التفكير، وأتاحت انتشار الأخبار المجهولة والمقاطع المجتزأة على نطاق واسع. والخطورة لا تكمن في استخدام هذه المنصات، وإنما في تحولها لدى البعض إلى مصدر وحيد للمعرفة، وفي إعادة نشر محتواها دون تحقق، بما قد يسيء إلى الأفراد ويثير البلبلة ويضعف الثقة داخل المجتمع.


وهنا تتضاعف مسؤولية الإعلام؛ فدوره لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يمتد إلى تفسيرها، والتحقق من مصادرها، والفصل بين الحقيقة والرأي، وتصحيح الأخطاء بشفافية. 


كما أن إتاحة المعلومات الرسمية في الوقت المناسب، وشرح القرارات التي تمس حياة المواطنين، يمثلان ضرورة لمواجهة الفراغ المعلوماتي الذي تتسلل منه الشائعات والروايات المضللة.


وفي المقابل، لا يجوز أن نحمّل الشباب وحدهم مسؤولية تحديات الوعي أو نتعامل معهم باعتبارهم متهمين دائمين بتراجع القيم. فالشباب يمتلكون طاقات وأفكارًا تستحق الاستثمار، ويحتاجون إلى فرص حقيقية للمشاركة والإبداع، وإلى مؤسسات ثقافية وشبابية تفتح أمامهم أبواب المعرفة والحوار والعمل العام. 


فبدلًا من الاكتفاء بانتقادهم، ينبغي إشراكهم في صناعة الحلول ومنحهم الثقة والمسؤولية.


إن مواجهة هذه التحديات لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى خطوات عملية: تعليم يرسخ التفكير النقدي والتربية الإعلامية، وأسرة تدعم الحوار وتضبط استخدام التكنولوجيا، وإعلام يتحرى الدقة ويشرح القضايا بوضوح، ومؤسسات ثقافية تتيح المعرفة للجميع. 


كما يجب قياس أثر هذه الجهود في سلوك الأفراد وقدرتهم على التحقق من المعلومات، حتى لا تتحول المبادرات إلى فعاليات شكلية تنتهي بانتهاء موعدها.


إن معركة بناء الوعي ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا تُحسم بقرار منفرد؛ إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من المدرسة والأسرة، وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الثقافية وسائر مؤسسات المجتمع. 


فالتكنولوجيا تستطيع أن تمنحنا أدوات أكثر تطورًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع عقلًا ناقدًا أو ضميرًا مسؤولًا.


إن أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس أن تصل المعلومات إلى عقولنا متأخرة، بل أن تصل إليها الأكاذيب فنمنحها ثقتنا قبل أن نمنح الحقيقة فرصة للفحص.


فالأوطان لا تُبنى بالشهادات وحدها، ولا تُحمى بكثرة المعلومات المتداولة، وإنما بعقول واعية تعرف كيف تفكر وتتحقق، وأجيال تمتلك القدرة على الاختلاف دون تعصب، ومجتمع يدرك أن الوعي ليس رفاهية ثقافية، بل ضرورة لحماية مستقبله.


فهل نبدأ بإصلاح طريقة تعليم أبنائنا التفكير، أم ننتظر حتى تصبح الشاشة هي المعلم الأول، والمعلومة المضللة هي الحقيقة التي يؤمنون بها؟


تعليقات

الأكثر مشاهدة

التغذية العلاجية.. غذاء يحمي وصحة تُبنى ووعي يواجه أمراض العصر

دعوة من قلب الوطن.. مصر للجميع

جامعة دمياط تمنح الباحثة عائشة المهدي الماجستير بامتياز برسالة عالمية وتوصية بالتبادل بين الجامعات

منتدى مصر مصر تصنع المستقبل بإرادة أبنائها ورؤية قيادتها

بمشاركة إعلامية تركية وجماهيرية.. إطلاق رابطة محبي نادي "طرابزون سبور" التركي في مصر

أكتوبر.. يوم استردت مصر كرامتها وكتبت النصر بدماء أبطالها

السيسي في سول.. من صداقة راسخة إلى تعاون أوسع في الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار

البَقَاءُ لِلأَذْكَى الذكاء الاصطناعي ومفاتيح المستقبل

محمد بن سليّم: عودة الفورمولا 1 إلى أفريقيا تفتح آفاقًا جديدة لرياضة المحركات ورواندا تستعد لاستضافة السباق