بسلطان القانون.. نهاية زمن الابتزاز وتفكيك شفرات التشويه ضد القيادات والمؤسسات الجامعية

 




الدكتور الشربيني يكتب: 


تظل الجامعة، عبر التاريخ، الحصن الأخلاقي الأخير للأمم، والمحراب المقدس الذي تُبنى فيه العقول وتُصاغ داخل جدرانه ضمائر المجتمع وتوجهاته القيادية والحضارية غير أن هذه المكانة الرفيعة باتت تواجه ممارسات شاذة تشوه وجهها النقي؛ من أشدها مرارة وقبحاً، تلك الطعنات الغادرة التي توجّهها قلة من داخل الجسد الأكاديمي نفسه، إذ يعمد بعض أعضاء هيئة التدريس ممن تعلقت أنفسهم بالمصالح الشخصية والمكاسب المادية أو الوظيفية الضيقة إلى الإساءة المباشرة وتشويه الرموز والقيادات الجامعية، في سلوك يمثل ارتداداً عن أبسط قيم التنوير والرصانة الأكاديمية.


إن ما يثير الدهشة والاستنكار حقاً، هو أن البعض يحاول النيل من قيادات تتسم بالابتكار، والتجديد، والتفرد، والتميز، والإبداع، والتألق؛ تشهد جامعاتهم اليوم نهضة شاملة في كافة المجالات، وتتصدر المراكز المتقدمة في التصنيفات العالمية المتتالية وتتناسى تلك القلة الانتهازية أن وراء هذه القامات العلمية الناجحة تقف الدولة المصرية بكل ثقلها، ويزرع الأمل خلفها القيادة السياسية زعيمها التاريخي الذي يحمل مشاعل النور والوعي للعبور بنا إلى آفاق الجمهورية الجديدة؛ بمبادئها الدستورية والقانونية الراسخة التي لا تقبل بالظلم، ولا تسمح بمهادنة قوى الهدم والابتزاز.


تبدأ الأزمة الأخلاقية عندما تتصادم رغبات هذه القلة الانتهازية في تحقيق مكتسبات غير مشروعة مع صخرة المبادئ والعدالة التي تحميها القيادات الجامعية وحين تفشل هذه الفئة في تطويع المنظومة لخدمة مآربها الأنانية، تسقط فوراً أقنعة الوقار الأكاديمي الزائف، لتظهر الوجوه على حقيقتها مدفوعة برغبة الانتقام.عندئذٍ، تتحول منصات التواصل الاجتماعي والجلسات المغلقة من فضاءات للحوار الفكري الراقي والقدوة الإنسانية، إلى منابر للابتزاز، والتشهير، والبلطجة اللفظية إنها محاولة بائسة لجر صرح علمي شامخ إلى مستنقع الخصومات الشخصية، واستبدال أدوات النقد البنّاء بأساليب الاغتيال المعنوي والتشويه المتعمد التي لا تليق بمن يحمل أمانة الكلمة وسلطان المعرفة.


يتناسى هولاء أن الحرم الجامعي ليس مجرد مؤسسة إدارية تؤدي وظائف جافة، بل هو بيئة معرفية ورسالية ترتكز بالأساس على مثلث قيمي عريق؛ تشكّل الأعراف الأكاديمية المستقرة ضابطه الأخلاقي والتاريخي الذي يحكم علاقة الأستاذ بطلابه وزملائه ويجعل من الرعيل الأول نموذجاً يُحتذى، ويتكامل هذا الضابط مع وجوب توفر الاحترام المتبادل والمستحق كضمانة أساسية لتدفق الأفكار وحرية النقاش داخل مناخ علمي صحي ونقي يعلي من شأن الحجة والبرهان لا الصوت المرتفع، وصولاً إلى ضرورة توقير مكانة القيادة بوصفها المظلة المعنوية والرمز الاعتباري الذي يحمي استقرار الصرح التعليمي ويحافظ على هيبته أمام المجتمع ككل إن الهجوم على القيادات الجامعية وتشويهها ليس مجرد خلاف عادي، بل هو هدم ممنهج لهذه الأعراف المستقرة عندما تُستهدف القدوة والرمز، ينفرط عقد الثقة بين الأستاذ وطالبه، وتفقد الجامعة رسالتها الأخلاقية الأساسية، ليتحول الفضاء الذي يجب أن يشع نوراً ومبادئ إلى ساحة لتصفية الحسابات والخصومات الشخصية.


لا يتوقف أثر هذه السلوكيات عند حدود أسوار الجامعة، بل يمتد ليشكل إساءة بالغة للشعب بكل مؤسساته وأفراده فالجامعة هي مرآة المجتمع وعقله المفكر، وثقة الرأي العام في قيمها وأخلاقيات نخبها هي جزء أساسي من استقرار الدولة وتماسكها الاجتماعي حين يرى المجتمع نخبته الأكاديمية تسقط في فخ التراشق والابتزاز اللفظي، تهتز قيمة القدوة في عيون الشباب، ويصاب الجيل الجديد بانتكاسة فكرية وصدمة وجدانية إن تشويه الرموز والقيادات الجامعية هو جريمة تتجاوز الإساءة الشخصية، لتصبح طعنة في خاصرة الأمن الفكري والقومى والسلم المجتمعي، وتدميراً للمثل العليا التي يحتاجها الوطن لبناء مستقبله.


حزمة حلول إجرائية وقانونية رادعة

بناءً على مبادئ الجمهورية الجديدة الوطنية، فإن مواجهة هذا الانفلات لا تكفيها كلمات الإدانة، بل تتطلب خطة عمل مؤسسية وقانونية صارمة تحمي الحرم الجامعي ورموزه المبدعة، وتتمثل في الآتي:


1- المواجهة القانونية والجنائية الحازمة.

- تفعيل قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات: رصد وتوثيق كل ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي من تشهير أو سب وقذف بحق القيادات والرموز الجامعية، وتحريك الدعاوى الجنائية فوراً عبر الشؤون القانونية للجامعة. 


- تغليظ العقوبات التأديبية: تفعيل المواد الخاصة بالخروج على مقتضى الواجب الوظيفي في قوانين تنظيم الجامعات، لتصل العقوبة إلى العزل من الوظيفة مع الاحتفاظ بالحق في الملاحقة القضائية لكل من يثبت تورطه في ممارسات الابتزاز والبلطجة اللفظية.


- المحاكمات التأديبية العاجلة: تشكيل مجالس تأديب عليا ومستقلة لسرعة البت في هذه القضايا ليكون الجزاء رادعاً وفورياً، مما يمنع تحول هذه السلوكيات إلى ظاهرة تفقد المؤسسة هيبتها.


2- الإجراءات المؤسسية والإدارية.


- تأسيس مرصد رقمي جامعي: إنشاء وحدة تابعة لإدارة الجامعة لمراقبة المحتوى المسيء للمؤسسة وقياداتها، وقطع الطريق على الشائعات ببيانات حقائق فورية وموثقة تدعم الشفافية.


- تفعيل الدوائر الشرعية للتظلم: غلق الذرائع أمام المبتزين عبر تعزيز قنوات الشكاوى والتظلمات الرسمية والقانونية داخل الجامعة، لضمان حصول كل ذي حق على حقه دون الحاجة للجوء إلى الفضاء الإلكتروني.


- ميثاق شرف رقمي ملزم: إلزام جميع أعضاء هيئة التدريس بالتوقيع على وثيقة سلوك رقمي تحدد ضوابط النشر والتعبير الإلكتروني بما يحفظ هيبة الأستاذ الجامعي والمؤسسة التي ينتمي إليها.


3- التحصين الأخلاقي والأكاديمي.


- إلزامية تدريس أخلاقيات المهنة: تحويل مادة "أخلاقيات العمل الأكاديمي والأعراف الجامعية" إلى متطلب إجباري لترقية أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم وشرط أساسي لتولي المناصب الإدارية.


- إبراز دور الرعيل الأول: صناعة مبادرات وفعاليات دورية تحتفي بالعلماء والرموز المخلصين لتأصيل ثقافة التوقير والقدوة لدى الطلاب والباحثين الجدد.


ستظل الجامعات دائماً منارات مضيئة تتجاوز عثرات الأفراد، والرموز والقيادات المخلصة التي تبني وتصون قيم المجتمع ستظل حية في وجدان الوطن، بينما تتلاشى الأصوات التي تخلت عن أمانتها المعرفية والأخلاقية في غياهب النسيان، ليبقى المحراب الأكاديمي طاهراً، شامخاً، وعصياً على التشوية والابتزاز.

تعليقات

الأكثر مشاهدة

"إعلام المنوفية" ينظم ندوة حول "دور التربية الإيجابية في تعزيز صحة الطفل"

كيف تصبح رجل أعمال ناجح باقل نقود ؟

كليات طب بجامعات خاصة فى مهب الريح

البطل المصري عبد الرحمن زكي يتألق في أمريكا ويتوج بـ3 ميداليات في بطولة "Summer Showdown" بمدينة ألباني

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن سورة الواقعة

تيميتار 2026.. أكادير تحتضن حوار الثقافات على إيقاع موسيقى العالم

ختام برنامج بناء قدرات شباب الجامعات على النجاح بسوق العمل بمركز اليونسكو

كروكوبارك أكادير يستقبل الكايمن عريض الخطم لتعزيز التنوع البيولوجي والتوعية بحماية الزواحف

بدء التسجيل لاختبارات القدرات بكلية علوم الرياضة بجامعة قناة السويس للعام الجامعي 2026/2027

بهجة وإبداع في ورشة تلوين مجسمات الأطفال بمكتبة الحضارة الإسلامية