ميتافيزيقيا التزييف: عندما تصبح الخديعة العلمية معياراً للدرجات العلمية في الفنون الشعبية
بقلم : محمد جمال الدين
إن البحث العلمي الحق ليس مجرد تجميع لكتل هلامية من النصوص المقتبسة، أو تدوينات وهمية تُختلق خلف جدران المكاتب المعزولة، بل هو تجل أنطولوجي لوعي الباحث بذاته وبالموضوع، وفعل أخلاقي صارم يستمد مشروعيته من الأمانة العلمية، وحين تتراجع الأمانة، وتتآكل الضمائر الأكاديمية، يتحول الصرح الأكاديمي من منارة لإضاءة العقل وبناء الوعي الجمعي، إلى هيكل زائف تتآكله ديدان التدليس والتلفيق.
والفلسفة النقدية لا تقف صامتة أمام الجريمة المنهجية، لأن الكذب في حقل التراث والتاريخ الشعبي ليس مجرد خطأ عابر، بل هو اغتيال متمدن لهوية أمة وتشويه ممنهج لذاكرتها الحية، كما إن الإشراف الأكاديمي ليس وظيفة إدارية شرفية، بل هو حراسة صارمة على تخوم الحقيقة المعرفية، وحين يغيب هذا الدور، ويتحول المشرف إلى شاهد زور يبارك العوار ويزكي السقوط، ويصم الأذان عن تزوير النماذج وتلفيق المدونات الموسيقية، فإننا لست أمام مجرد حالة فردية للقصور، بل أمام انهيار أخلاقي ومؤسسي يستوجب التمحيص والتعرية، بنقد حاد لا يداهن ولا يجامل.
تحليل وتفكيك النموذج الأول (وسعوا الحارة): لبيان عوار البنيان وتفكيك التلفيق، فبالنظر إلى النموذج الأول الوارد في الصورة الأولى والموسوم بـ (وسعوا الحارة)، والذي يتضمن نصاً شعبياً غنائياً يليه تدوين موسيقي وتحليل موسيقي، يتكشف لنا بوضوح تام حجم التدليس المنهجي الذي يعصف بالرسالة، عبر عدة محاور وهي: التنافر الجذري بين النص الشعري والتدوين الموسيقى، إذ ينبني النص الشعري على بحر وزني وإيقاعي محدد، تحكمه طبيعة الفولكلور الحركي التلقائي، في حين جاء التدوين الموسيقي المرفق ليطرح لحناً مفارقاً تماماً للبنية الإيقاعية واللحنية للنص، مما يؤكد استحالة أن يكون هذا اللحن صادراً عن هذا النص، أو نابعاً من البيئة الشعبية الحية ذاتها، إضافة إلى التناقض الفاضح في التحليل الموسيقى، إذ يزعم التحليل المرافق للنموذج الأول أن اللحن يبدأ بالدرجة الأساسية للمقام الأصلي وهي نغمة (ري)، وفي ذات الوقت يشير إلى أن دليل المقام هو (سي بيمول، ومي بيمول) مما يعين مقام البياتي على درجة (الدو) أو يتطلب قراءة أخرى، فضلاً عن الإدعاء بأن اللحن يبدأ بالقفزة الرابعة التامة (ري، صول)، بينما يُفترض أن استهلال المقام يبدأ من ارتكازه الأساسي، مما يثبت أن التحليل منقول، أو مكتوب بصورة عشوائية، لا تمت للتدوين المرفق بصلة، علاوة على إستحالة التطابق والنسب، فالتدوين الموسيقي الماثل أمامنا يعاني من ركاكة في الصياغة، وخطأ في الإيقاع (ميزان 4/2)، الذي لا يتناسب مع طبيعة النص الحركية، مما يقطع بيقين علمي قاطع أن الباحثة لم تقم بالجمع الميداني، ولم تلامس الواقع الشعبي، بل قامت بلصق تدوينات وهمية وتحليلات مصطنعة لا تخص النص في شيء.
تحليل وتفكيك النموذج الثاني (آه يا أسمر اللون)، لبيان خبال التدوين وهلوسة التحليل، فبالإنتقال إلى النموذج الثاني الماثل في الصورة الثانية (آه يا أسمر اللون)، تتكشف فصول جديدة من مهزلة العبث بالتراث الشعبي: إذ يظهر جليا إنفصام عرى الصلة بين الكلمة والنغمة، فالنص الغنائي يحمل شجناً وعاطفة شعبية ومفردات ريفية دافئة، بينما يعكس التدوين الموسيقي جملاً لحنية باردة ومفتعلة، لا رابط بينها وبين القالب الغنائي المرتبط بالمقام المدعى (البياتي بدليل سي بيمول ومي بيمول)، إضافة إلى التخبط الصارخ في التحليل الموسيقي، إذ يدعي التحليل المرافق أن اللحن يبدأ بالدرجة الخامسة (لا) للمقام الأساسي، بينما تشير نغمات اللحن المحصورة بين (ري، سي) إلى فوضى لحنية، تفتقر لأبسط قواعد التأليف والتدوين الموسيقي الأكاديمي، وتتناقض تماماً مع طبيعة مقام البياتي، الذي ترتكز شخصيته على القرار والجواب والسكتات الواضحة، وعليه يظهر التزوير المفضوح، إذ إن هذا التوافق المفتعل بين تدوين غريب، وتحليل منقول عشوائيا، ونص شعري مأخوذ من مقاطع أخرى، هو الدليل القاطع على أن الباحثة مارست عملاً من أعمال السطو والتلفيق المكتبي، بعيداً كل البعد عن معايير البحث العلمي الرصين، في ميدان الفنون الشعبية.
إن ما يدمي القلب ويستفز العقل النقدي، هو كيف تمر مثل هذه النماذج الهزيلة والمهترئة عبر بوابة التحكيم والمناقشة؟، وكيف تجرأ المشرف الذي لا يعرف التدوين أو التحليل الموسيقى على توقيع تقرير صلاحية، يناقض أبسط بديهيات الأمانة العلمية؟، وكيف تغاضى عن هذا العوار الصارخ القسم العلمي، وكيف وصف هذا المشرف متن الرسالة في تقريره بأنه "جهد علمي متميز"، إن هذا يضع علامات استفهام كبرى حول جدية الإشراف، وسلامة الذمم الأكاديمية، إذ إن تمرير هذه الرسالة، ومنح درجة الماجستير في تخصص الموسيقي الشعبية، بالمعهد العالي للفنون الشعبية يمثل طعنة ناجحة في قلب المؤسسة الأكاديمية العريقة، والسؤال كيف سهلت ووافقت عميدة المعهد وإدارة الدراسات العليا على تمرير هذا العبث؟، فهذا التواطؤ المؤسسي يفتح باباً واسعاً للشك في معايير الجودة والتقييم داخل الصرح التعليمي، وينذر بكارثة حقيقية تهدد مستقبل البحث العلمي في ميدان التراث الشعبي المصري الذي يُعد هوية الأمة وذاكرتها.
إن ما كشفناه في هذا المقال ليس سوى غيض من فيض، ونموذج حي ومثبت بالدليل القاطع على تهافت البنيان العلمي لهذه الرسالة، التي سقطت سقوطاً مريعاً في اختبار الصدق والأمانة المنهجية، فالتراث الشعبي المصري ليس حقل تجارب للمتطفلين، ولا مرتعاً للتلبيس والتزوير، بل هو أمانة تاريخية مقدسة، وإننا إذ نضع هذه الحقائق الساطعة أمام المجتمع الأكاديمي والضمير الحي، نؤكد أن هذا المقال يمثل حلقة متصلة بما سبقه، وتمهيداً فاضحاً لما سيلي في المقالات القادمة، حيث سنقوم تباعاً بتفكيك ونقد وتحليل كافة نماذج الرسالة، نموذجاً تلو الآخر، لنثبت بالبرهان القاطع أن الرسالة برمتها هي عبارة عن كتلة من التدليس والتزوير الممنهج التي لا تستحق ورقة تُكتب عليها، فضلاً عن أن تكون مرجعاً أكاديمياً يحمل درجة الماجستير، فمتى يستيقظ الضمير العلمي لتطهير صفوفها من العبث والمجاملات؟، وكيف يستقيم ظل المنهج وقد عوج العود منذ بدايته؟ إن معركة الوعي مستمرة، وحراسة الحقيقة هي قدرنا الأبدي دفاعاً عن مصر وراثها العظيم.

تعليقات
إرسال تعليق