القاهرة وبكين.. علاقات راسخة تتجاوز حدود السياسة إلى آفاق الاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا

 





    للحديث بقية                       

    بقلم  / حسام حشاد   


سبعون عامًا مضت على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، لم تكن خلالها مسيرة التعاون بين البلدين مجرد صفحات متتابعة في سجل العلاقات الدولية، وإنما تجربة متفردة استطاعت أن تنتقل بثبات من مرحلة الصداقة التقليدية إلى رحاب الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وأن تواكب التحولات الكبرى التي شهدها العالم، وصولًا إلى مرحلة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والتنموية والسياسية والثقافية بين القاهرة وبكين.


ومنذ أن كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام    1956 حرص البلدان على بناء جسور من الثقة والاحترام المتبادل، لتصبح العلاقات المصرية الصينية نموذجًا للعلاقات الدولية القائمة على استقلال القرار، وتبادل المصالح، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، واحترام خصوصية كل دولة وخياراتها الوطنية.

تاريخ طويل من التفاهم

لم تكن العلاقات بين القاهرة وبكين وليدة المصالح الاقتصادية الراهنة، وإنما استندت منذ بدايتها إلى أرضية سياسية وتاريخية مشتركة، عززتها مواقف متبادلة تجاه قضايا التحرر الوطني والتنمية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومع مرور السنوات، تطورت العلاقات تدريجيًا، وانتقلت من التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكة متعددة المجالات، خاصة بعد الارتقاء بمستوى العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي فتحت الباب أمام مرحلة أكثر اتساعًا من التعاون بين البلدين.

وقد شكلت الزيارات واللقاءات المتبادلة بين قيادتي البلدين عنصرًا أساسيًا في ترسيخ هذه الشراكة، وإضفاء زخم مستمر على العلاقات الثنائية، بما يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة وبكين في محيطهما الإقليمي والدولي.

الاقتصاد.. عنوان المرحلة الجديدة

ولعل الاقتصاد والاستثمار يمثلان العنوان الأبرز للمرحلة الجديدة في العلاقات المصرية الصينية، حيث لم يعد التعاون مقتصرًا على حركة التجارة، بل امتد إلى تنفيذ مشروعات صناعية واستثمارية وبنية أساسية، بما يتوافق مع توجه مصر نحو تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وتأتي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مقدمة مجالات التعاون، بما تتمتع به من موقع استراتيجي يجعلها نقطة التقاء بين طرق التجارة العالمية، فضلًا عن كونها منصة مهمة أمام الشركات الصينية الراغبة في الإنتاج والتصدير إلى الأسواق المصرية والإفريقية والعربية والأوروبية.

ويمثل مشروع منطقة «تيدا» للتعاون الاقتصادي والتجاري نموذجًا واضحًا لهذا التوجه، حيث تحولت الاستثمارات الصينية في المنطقة إلى مكون مهم من مكونات التعاون الاقتصادي بين البلدين.

ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على حجم الاستثمارات، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن توفره من فرص عمل، وتوطين للصناعة، ونقل للخبرات، وربط الاقتصاد المصري بسلاسل الإمداد العالمية.

الحزام والطريق.. وموقع مصري فريد

ويكتسب التعاون المصري الصيني أهمية إضافية في ضوء مبادرة «الحزام والطريق»، التي تمنح مصر موقعًا محوريًا بحكم موقعها الجغرافي وقناة السويس، التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة الدولية.

وتسعى القاهرة إلى توظيف موقعها الاستراتيجي وإمكاناتها اللوجستية والصناعية لتعزيز دورها كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار، في الوقت الذي تنظر فيه بكين إلى مصر باعتبارها شريكًا رئيسيًا في منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية.

ومن هنا تتجاوز الشراكة بين البلدين حدود العلاقة الثنائية، لتأخذ بعدًا إقليميًا ودوليًا أوسع، إذ يمكن لمصر أن تصبح قاعدة للتصنيع والتصدير إلى أسواق واسعة، بينما تستفيد من الخبرات والتكنولوجيا والاستثمارات الصينية في تنفيذ مشروعات التنمية.

التكنولوجيا.. شراكة تتجه إلى المستقبل

وإذا كان الاقتصاد قد شكل قاعدة مهمة للعلاقات المصرية الصينية، فإن التكنولوجيا تمثل اليوم أحد أبرز ميادين المستقبل.

فالتعاون لم يعد مقصورًا على البنية الأساسية والصناعة، وإنما امتد إلى مجالات الاتصالات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والأقمار الصناعية والبحث العلمي.

ويبرز التعاون في مجال الفضاء باعتباره أحد النماذج المتقدمة للشراكة، حيث يعكس انتقال العلاقات إلى مجالات تعتمد على المعرفة والتكنولوجيا ونقل الخبرات، وليس فقط على تنفيذ المشروعات التقليدية.

كما تمثل مشروعات النقل الكهربائي والطاقة النظيفة نموذجًا آخر للتعاون الذي يتوافق مع توجه مصر نحو بناء اقتصاد أكثر استدامة، وتطوير منظومة النقل والبنية الأساسية بما يتماشى مع احتياجات المستقبل.

الإنسان في قلب الشراكة

ولا يمكن الحديث عن العلاقات المصرية الصينية بمعزل عن بعدها الثقافي والإنساني.

فالتعاون بين الشعبين شهد نموًا واضحًا في مجالات التعليم والثقافة والتدريب المهني والتبادل الطلابي، بما أسهم في بناء جسور مباشرة بين المجتمعين.

وتكتسب برامج التدريب ونقل المهارات أهمية خاصة، لأنها تفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من الخبرات الصينية في المجالات الصناعية والفنية والمهنية.

كما يمثل انتشار دراسة اللغة الصينية في مصر، وزيادة الاهتمام بالثقافة الصينية، وتنامي حركة التبادل الثقافي، امتدادًا طبيعيًا للعلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.

القاهرة وبكين.. توافق في الرؤية الدولية

وعلى الصعيد السياسي، تتمتع مصر والصين بدرجة مرتفعة من التنسيق بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية، انطلاقًا من ثقل البلدين ودورهما في محيطيهما.

وتولي الصين أهمية خاصة للدور المصري في الشرق الأوسط وإفريقيا، بينما تنظر مصر إلى الصين باعتبارها إحدى القوى الدولية المؤثرة وشريكًا مهمًا في تحقيق التنمية وتنويع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.

ويستند هذا التعاون السياسي إلى مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهو ما منح العلاقات الثنائية قدرًا كبيرًا من الاستقرار والاستمرارية، بعيدًا عن التقلبات التي تشهدها علاقات دولية أخرى.

70 عامًا.. محطة وليست نهاية

ومع بلوغ العلاقات المصرية الصينية عامها السبعين، فإن الاحتفال بهذه المناسبة لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة صفحات الماضي، بقدر ما يمثل فرصة للتفكير في آفاق المستقبل.

فالتحديات التي يواجهها العالم اليوم، من التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي إلى أمن الطاقة والغذاء والتغيرات المناخية، تفرض على الدول إعادة صياغة شراكاتها على أسس أكثر إنتاجية وابتكارًا.

وهنا تبدو أمام القاهرة وبكين مساحات واسعة لتعميق التعاون، خصوصًا في مجالات التصنيع، ونقل التكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتعليم والبحث العلمي.

إن قوة العلاقات المصرية الصينية لا تكمن فقط في امتدادها الزمني، وإنما في قدرتها على التجدد ومواكبة المتغيرات.

فمنذ اللحظة التي فتحت فيها القاهرة أبوابها لبكين قبل سبعة عقود، ظل الحوار بين البلدين يتسع، وتتعدد مجالات التعاون، وتتزايد المصالح المشتركة.

واليوم، وبعد سبعين عامًا من الصداقة والتعاون، تقف مصر والصين أمام مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: من شراكة قامت على الثقة إلى شراكة تصنع المستقبل.. ومن جسور السياسة إلى آفاق التنمية والتكنولوجيا والاقتصاد.

مصر والصين.. سبعون عامًا مضت، والمستقبل يحمل فصولًا جديدة لشراكة تبدو أكثر رسوخًا واتساعًا وتأثيرًا.


تعليقات

الأكثر مشاهدة

الأستاذ نايف الزهراني يحتفل بزواج " أحمد " في الدمام

«في رحاب السيرة العطرة».. صالون بسيم عبد العظيم يحتفي بالباحث عز الدين طمان بحضور نخبة من مثقفي المنوفية

بالمستندات : نفجر أزمة توحيد صرف المكافآت بين كل رؤساء الجامعات

القاهرة وبكين.. علاقات راسخة تتجاوز حدود السياسة إلى آفاق الاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا

عزاء واجب

نادي إعلام الحدث يزور معرض «أطياف الحرمين» للمصورة السعودية العالمية سوزان إسكندر بجدة

منظمات عربية وطبية في إيطاليا تعلن تضامنها مع الجزائر في مواجهة حرائق الشمال الشرقي

في زيارة تاريخية.. اتفاق بين "الاتحاد العربي للاستثمار والتطوير العقاري" و "ASMIA" لإنشاء أول قطاع عربي لتصميم المنشآت الرياضية الضخمة

شعلة «أسبوع شباب الجامعات الرابع عشر» تصل جامعة المنوفية.. مسيرة شبابية وجولة في «شما» للتعرف على مشروعات «حياة كريمة»

همسات الثقافي يطلق مبادرة أمي سر الحياة صانعة الأجيال