ثقوبٌ في الثوب الجامعي.. ثورةُ تصحيحٍ تشريعية ومؤسسية لإنقاذ منظومة تُهَدِّدُ الأمن القومي
الدكتور الشربيني يكتب:
كتب سعيد سعده
إن قوة الأوطان لا تُقاس بعدد جدران جامعاتها، بل بعدالة توزيع قواها البشرية، وجودة المناخ المعرفي والتشريعي الذي يتنفس فيه علماؤها؛ وما يشهده التعليم الجامعي المصري اليوم هو مفارقة تثير الدهشة والحزن معاً؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه قلاعنا الأكاديمية القديمة من تخمة في أعضاء هيئة التدريس يُحجّم الفرص المتاحة للجيل الأكاديمي الجديد، تواجه الجامعات الناشئة عجزاً صارخاً يهدد رسالتها، وسط صراع مكتوم بين المصلحة العامة وبيزنس احتكار الكتب؛ إنها أزمة مركبة، تتقاطع فيها معاناة الأستاذ الجامعي المكبل بأزمات الدخل والأعباء الإجرائية، مع اختلالات تنظيمية عميقة تمس عدالة القبول، ومعايير الدراسات العليا، وتجارة البرامج الخاصة المستحدثة في قلب الحرم الحكومي، وصولاً إلى الأزمة الأعمق المتمثلة في التعدي على استقلال الجامعات دستورياً عبر القوانين المنظمة لاختيار القيادات الأكاديمية.
هذا المشهد المأزوم يضع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والمجلس الأعلى للجامعات، ومجلس النواب المصري الذي يجب أن ينتفض من خلال لجانه المختصة لمعالجة هذه الكوارث وسد الثغرات التشريعية أمام مسؤولية تاريخية إما الاستمرار في سياسة المسكنات، أو الإقدام على ثورة تصحيحية تشريعية ورقابية ومؤسسية تعيد التوازن المفقود لمنظومة تُهَدِّدُ قلب الأمن القومي وتحدد مستقبِل الوطن؛ فصناع القرار في الوزارة والمجلس ملمّون تماماً بأبعاد هذه الأزمة وتفاصيلها المعقدة ويعلمون أن الحل لم يعد يحتمل التأجيل، كما أن البرلمان يمتلك الأدوات الدستورية للرقابة والتشريع لنسف هذه التشوهات.
أولاً: تكمن أولى وأخطر الثقوب التي يعاني منها الثوب الأكاديمي اليوم في منظومة اختيار القيادات الجامعية من رؤساء جامعات وعمداء كليات؛ فرغم أن الدستور المصري كفل بشكل قاطع استقلال الجامعات باعتبارها مؤسسات علمية وفكرية مستقلة تدير شؤونها ذاتياً، إلا أن القوانين والتشريعات الحالية المنظمة لآليات الاختيار أفرغت هذا النص الدستوري من مضمونه؛ إن منح وزير التعليم العالي والبحث العلمي الحق المطلق في التدخل المباشر لاختيار القيادات وتعيين لجان الاختيار والترشيح، جعل استقلال الجامعات مجرد حبر على ورق، واستقلالاً شكلياً لا يمت للواقع بصلة؛ حيث يترتب على ذلك غياب معايير الكفاءة الأكاديمية الخالصة لصالح المواءمات الإدارية وتكريس مركزية القرار. ولا يمكن إصلاح الجامعات دون مراجعة جذرية لتلك القوانين، لتصبح عملية الاختيار نابعة من رحم المجتمع الأكاديمي والانتخاب أو الترشيح المستقل، بما يعيد للجامعة هيبتها واستقلاليتها الحقيقية.
ثانياً: هذا الخلل التشريعي في القيادة انعكس مباشرة على الأرض في صورة سوء توزيع حاد للقوى البشرية الأكاديمية؛ ففي الجامعات العريقة مثل القاهرة، عين شمس، الإسكندرية، والمنصورة، تظهر أرقام التكدس بوضوح، لا سيما في الكليات الحيوية والمجموعات الطبية والعلمية. إذ تصل النسبة في بعضها إلى عضو هيئة تدريس لكل 5 طلاب فقط والأخطر من ذلك، أن الفئات الشابة والفاعلة من المدرسين والأساتذة المساعدين لا يتجاوزون 25% من إجمالي هذه الأعداد، مما يعني غياب التوازن الهيكلي والنوعي داخل القسم الواحد وتحول التكدس إلى عبء إداري بلا طائل تعليمي حقيقي؛ وعلى الجانب الآخر من المشهد، تعاني معظم كليات الجامعات الناشئة المختلفة من عجز شديد في قوتها التدريسية، رغم الموافقة على بدء الدراسة بها وقبول أعداد ضخمة من الطلاب سنوياً، وتأتي كليات الحقوق والتجارة في مقدمة المتضررين. وخلف هذا العجز، تطل أزمة المصالح الشخصية برأسها؛ حيث تحارب قوى داخلية أي تعيينات جديدة لأعضاء هيئة التدريس، رغبة في احتكار بيزنس توزيع الكتب على الأعداد المتزايدة باطراد من الطلاب، والتي تدر أرباحاً طائلة تصل إلى ملايين الجنيهات سنوياً، في غياب تام لآليات الرقابة الأكاديمية والمالية.
ثالثاً: وفي سياق هذا الاحتكار المالي للمناهج، تولدت داخل المنظومة الجامعية المصرية ظاهرة مأساوية من التفاوت الطبقي الصارخ بين أعضاء الفئة الأكاديمية الواحدة؛ فبينما تقف أغلبية شريفة وعريضة من أعضاء هيئة التدريس عاجزة أمام طواحين الغلاء، معتمدة كلياً على رواتبها الحكومية الهزيلة والأساسية فقط دون أي مصدر دخل إضافي، نجد في المقابل فئة محدودة من الأساتذة خاصة في الكليات النظرية ذات الكثافة الطلابية المتزايدة باطراد تجمع الملايين سنوياً من حصيلة بيع الكتاب الجامعي والمذكرات المفروضة إجبارياً على الطلاب؛ هذا التناقض الصارخ لا يضرب كرامة أستاذ الجامعة في مقتل فحسب، بل يكرس بيئة غير عادلة داخل جدران الجامعة؛ حيث تتحول معايير الوجاهة الأكاديمية من غزارة الإنتاج العلمي والبحثي إلى حجم الأرباح الناتجة عن تسليع المادة العلمية؛ إن ترك أساتذة الجامعة فريسة لهذا الخلل المالي، دون هيكل أجور موحد وعادل يحفظ كرامة الجميع ويمنع التربح على حساب أقوات الطلاب، هو مسمار آخر يُدق في نعش جودة التعليم والعدالة المؤسسية.
رابعاً: إمعاناً في سياسة تفريغ التعليم الحكومي المجاني من لائحته الوطنية وكفاءته، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة صارخة داخل قلاع التعليم المجاني الحكومي تمثلت في فتح ما يُسمى بالبرامج الخاصة والنوعية بمصروفات باهظة، والتي أصبحت تكلف الطالب مئات الآلاف من الجنيهات سنوياً داخل جدران الجامعة الحكومية ذاتها؛ وهنا نطرح سؤالاً استنكارياً حتمياً؛ ما الهدف الحقيقي من وراء هذه البرامج سوى واستغلال حاجة الأسر لتعليم حديث؛ إن هذه الخطوة شوهت هوية الجامعة الحكومية وقسمت الطلاب داخل الكلية الواحدة إلى طبقتين؛ طبقة تمتلك المال وتدرس برامج حديثة، وطبقة لا تمتلكه وتدرس لوائح تقليدية راكدة؛ إن الأمانة والمسؤولية القومية تقتضيان وقف هذا التسليع فوراً، ودمج كافة هذه البرامج والمسارات التعليمية ضمن اللوائح العامة والرسمية للكليات، وإتاحتها لكافة الطلاب بناءً على جدارتهم العلمية دون إجبارهم على دفع ثمنها، فالجامعة الحكومية منبر للعلم والارتقاء بالعقول وليست شركة تسويق استثمارية.
خامساً: لم يتوقف النزيف الاستثماري داخل الحرم الحكومي بل توازى معه انحراف فج خارج أسواره؛ فكيف يستقيم عقلاً أو عدلاً، وعلى أرض مصرية واحدة، أن يجد الطالب المتفوق نفسه عاجزاً عن دخول كليات الطب الحكومية رغم حصوله على مجموع يفوق 90%، بينما يُفتح الباب على مصراعيه في بعض الجامعات الخاصة والأهلية والمسارات البديلة بمجموع يصل إلى 77%، بل إن المفارقة الصادمة تكمن في فتح باب القبول في كليات الطب بمجموع 50% في كيانات مثل الجامعة الروسية، لمجرد القدرة على دفع الرسوم الباهظة والعملة الصعبة،؟! إن رهن شرف مهنة الطب ومستقبل صحة المواطن بالقدرة المادية والمالية على حساب جودة المدخلات البشرية والقدرات العقلية، هو منزلق وعر يمثل انحرافاً فجاً عن نصوص الدستور المصري التي كفلت في مادتيه (9 - 53) التزام الدولة بتحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز؛ إن تحويل التعليم الطبي إلى سلعة يُشترى مقعدها بالمال هو الالتفاف الصريح نفسه على هذا الاستحقاق الدستوري، يضرب العدالة الاجتماعية في مقتل، ويحمل انحرافاً تعليمياً يهدد الأمن القومي للبلاد؛ فالطبيب المهزوز علمياً هو مشروع كارثة إنسانية يدفع ثمنها المجتمع بأكمله.
سادساً: في سياق متصل بضرب معايير الجودة والعدالة المؤسسية، تبرز ثقبة سوداء أخرى في منظومة الدراسات العليا بالجامعات؛ ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يكون قطار الماجستير والدكتوراه حكراً على صفوة النوابغ والعلماء من أصحاب التقديرات المتميزة امتياز وجيد جداً، فُتحت الأبواب على مصراعيها لاعتبارات استثمارية ومالية بقبول الخريجين الحاصلين على تقدير مقبول في مرحلة البكالوريوس والليسانس للتسجيل بالدراسات العليا! كيف لباحث لم يستطع استيعاب أساسيات مجاله الدراسي في مرحلة التعليم الجامعي الأول، أن يُؤتمن اليوم على إنتاج معرفة جديدة، أو الإشراف على أبحاث ابتكارية، أو قيادة الفكر الأكاديمي مستقبلاً؟ إن هذه السياسة لا تعني سوى شيئاً واحداً؛ تسليع الشهادات العليا وإفراغ الرسائل الأكاديمية من مضمونها العلمي، ليتحول النشر العلمي من منارة للتطوير إلى ساحة للجباية المالية، مما يهدد بسقوط التصنيف الدولي للجامعات المصرية.
سابعاً: بجانب سوء التوزيع وفوضى المعايير، تواجه المنظومة نزيفاً صامتاً نتيجة تحول البيئة الأكاديمية إلى بيئة طاردة للكفاءات نتيجة تدني الرواتب والبدلات مقارنة بالجامعات الخاصة والدولية، وبيروقراطية لجان الترقي الصارمة، وضعف ميزانيات البحث العلمي التي يضطر الأستاذ لتحمل تكاليفها من قوته الخاص، فضلاً عن تراجع الرعاية الصحية والوظائف الشابة للمعيدين والمدرسين المساعدي؛ هذه التحديات الهيكلية التي تعصف بالجامعات، ترتبت عليها أزمات وقضايا منظورة على الأرض؛ ولعل ما حدث في كلية طب فاقوس وطب أسنان دمنهور التي أغلقت بحكم محكمة القضاء الإداري يعكس حجم الكارثة؛ لأول مرة في تاريخ التعليم العالي، قرر المجلس الأعلى للجامعات وقف القبول بطب فاقوس وتحويل طلابها إلى جامعة الزقازيق، بعد اكتشاف مفاجأة صادمة؛ الكلية وصلت بطلابها إلى مرحلة الامتياز دون وجود مستشفى جامعي، ولم يكن يعين بها سوى عضو هيئة تدريس واحد طوال سنوات! وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى؛ كيف تمت الموافقة على فتح هذه الكليات بهذه العشوائية التوزيعية والتعليمية؟
ثامناً: مقترحات لتصحيح المسار وحماية مستقبل الوطن لخروج التعليم الجامعي من هذا النفق المظلم وحماية أمننا القومي الأكاديمي، نضع أمام وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات ومجلس النواب مقترحاً جاداً يتطلب شجاعة وإرادة سياسية وتشريعية في التنفيذ:
- انتفاضة تشريعية لمجلس النواب: تعديل القوانين المنظمة لاختيار رؤساء الجامعات والعمداء لرفع يد السلطة التنفيذية عن لجان الاختيار، وتفعيل الحماية التشريعية لمبدأ تكافؤ الفرص في التنسيق والدراسات العليا، مع تفعيل الأدوات الرقابية بمحاسبة المسؤولين عن عشوائية تراخيص الكليات الاستثمارية والنوعية.
- مجانية وتأميم البرامج الموازية: إصدار قرار حاسم بضم كافة البرامج الخاصة والنوعية التي فُتحت بمئات الآلاف داخل الجامعات الحكومية ضمن اللوائح الرسمية العادية للكليات دون إلزام الطلاب بدفع مبالغ باهظة، وإعادة التعليم الحكومي لمساره الخدمي غير الربحي.
- لجان حصر وإعادة تدوير القوى البشرية: تشكيل لجان مستقلة لحصر الأعداد الحقيقية لأعضاء هيئة التدريس، وتخيير الأساتذة المتفرغين في مناطق التكدس بين الانتقال أو الندب المنظم للجامعات الناشئة لإنقاذ كلياتها وتعميق معايير العدالة المؤسسية.
- تعديل منظومة أجور الأساتذة وتجفيف بيزنس الكتب: وضع إطار عادل وشامل لهيكل أجور أعضاء هيئة التدريس بما يضمن لهم حياة كريمة ومستقرة خاصة لمن يعتمدون على رواتبهم فقط، وتفعيل الرقابة الأكاديمية والمالية الصارمة لمنع التربح والاستغلال في بيع المذكرات والكتب الورقية.
- ضبط فجوة القبول وضوابط الدراسات العليا: وضع حد أدنى صارم للقدرات والدرجات العلمية للقبول بكليات الطب والهندسة في الجامعات الخاصة والأهلية والاستثمارية (كالجامعة الروسية)، مع إلغاء قرارات قبول الحاصلين على تقدير مقبول في مسارات الماجستير والدكتوراه حماية لهيبة البحث العلمي.
إن القضايا التي تضرب جسد الجامعة اليوم ليست مجرد أزمات إدارية عابرة، بل هي معارك دستورية وتشريعية تمس جودة العقل المصري ومستقبل الوطن وصمام أمانه؛ فهل تمتلك وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات الشجاعة للإقدام على التغيير المؤسسي والتنظيمي الجذري؟ وهل ينتفض مجلس النواب لممارسة دوره التشريعي والرقابي لحماية الدستور وتجفيف منابع الفساد الاستثماري والشخصي؟ إن صالح الوطن يقتضي تحركاً عاجلاً وفورياً من كافة مؤسسات الدولة، فالواقع يفرض نفسه، ولم يعد هناك متسع لمزيد من المسكنات.

تعليقات
إرسال تعليق