الساحل والجامعة.. عقولٌ تبني الأمة وأموالٌ تهدم الهوية
الدكتور الشربيني يكتب:
هل يمكن لأمة أن تطير بأجنحة من زجاج، وعقولها الكبرى تكسرها الحاجة؟ التفت يميناً، لترى هامات أساتذة الجامعات في مصر حراس الوعي وصناع الغد يقفون فوق منصات العلم بقلوب يعتصرها الألم وغصة تقتل الكبرياء؛ يصارعون موازين معيشية مقلوبة تخيرهم بين شرف الرسالة الفكرية وبين متطلبات الحياة الأساسية لبيوتهم؛ ثم التفت يساراً، لتصدمك المليارات المرعبة التي تُحرق في ليلة واحدة على شواطئ الساحل الشمالي تحت أقدام الابتذال أموال بلا هوية، تُهدر بلا وعي في طقوس تفاخرية مجنونة، تُجاهر بالعري والفحش كأنها تصفع وجه المجتمع وأعرافه الأصيلة.
إننا لا نناقش هنا تفاوتاً طبقياً عابراً، بل ندق ناقوس الخطر أمام نكبة ثقافية وجودية تجعلنا نتحسر بمرارة على زمن الرأسمالية الوطنية في القرن الماضي؛ حين كان ثراء الكبار يعني مستشفى يُبنى ومصنعاً يُشيد، وجامعة تُدعم؛ اليوم نرى جريمة مكتملة الأركان تُعرّي عقل الأمة من قيمها لتتوّج السفاهة على العروش، وتدفع بالعالِم والمفكر إلى زوايا التهميش والاغتراب إنها صدمة تضرب العقل والقلب معاً؛ فكيف ننتظر من شبابنا أن يقدسوا العلم، وحصون المعرفة تئن في صمت، بينما يملك الجهل والابتذال مفاتيح الأرض ومن عليها.
على النقيض تماماً من زهد محراب الجامعة، يتجلى في الساحل الشمالي مشهد سريالي يمثل الوجه الأقبح لغسيل الأموال والجهل القيمي الباذخ هنا، لم يعد البحر مكاناً للاستجمام، بل تحول إلى منصة للمجاهرة بكل ما يصطدم بعمق الهوية المصرية وأعرافها الراسخة.
لم يعد الأمر مجرد تحرر صيفي عابر، بل بات جهراً بالعرى والابتذال يتم تسويقه كصكٍ للمدنية والتحضر إن استعراض الأجساد، والملابس الفاضحة، والسلوكيات الماجنة في الفضاء العام، يمثل طعنة مباشرة في خاصرة الأعراف والتقاليد والقيم الأصيلة التي تربى عليها المجتمع المصري، والتي كانت تقوم على الحياء، والستر، وحرمة الفضاء المشترك فالأخطر من العرى الجسدي هو العري الفكري؛ حيث تصدّر وسائل التواصل الاجتماعي هؤلاء السفهاء كرموز للنجاح والرفاهية هذا الأمر يخلق هزة عنيفة في وعي الشباب والنشء، الذين يلسعهم السؤال الحارق لماذا أتعلم وأجتهد لأصبح مثل أستاذ الجامعة المحتاج، بينما يمكنني بالابتذال والسفه أن أملك الساحل ومن فيه؟
لأن الساحل الشمالي تحول اليوم إلى مسرح لاستعراض ثراء مشوه قائم على المتعة اللحظية والاستهلاك الأعمى والمظاهر الجوفاء التي يعكس أصحابها جهلاً مركباً بقيمة المال ودوره التنموي وفي غمرة هذا العبث الصيفي، يُترك أعضاء هيئة التدريس حملة الفكر والثقافة الذين يحمون عقول الشباب ويقدمون الحلول العلمية ليواجهوا صعاب الحياة بمفردهم، محاصرين بالتهميش والدعم الموجه للمحتوى التافه، ليتحول رأس المال من قاطرة تقود النهضة وتدعم قلاع العلم، إلى معول يهدم الهوية ويرسخ الفجوات
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تفاوت في الدخول، بل هو زلزال يضرب الهوية المصرية في مقتل عندما يتحول الساحل الشمالي من مصيف للمتعة إلى ساحة للمجاهرة بالعري، واستعراض سفه غسيل الأموال، بينما يئن أساتذة الجامعات حراس وعي الأمة تحت وطأة الحاجة وتهميش المكانة، فإننا أمام مشهد يعلن بوضوح انتحار القيمة وعلو شأن؛ إنها النكبة الثقافية الكاملة.
نحذر بأعلى صوت إن أمةً تترك علماءها ومفكريها يصارعون من أجل البقاء، وتصمت عن تكريمهم المادي والأدبي، بينما تصفق وترقص لجهل الأثرياء الجدد، هي أمة تكتب وثيقة تراجعها المعرفي والأخلاقي بوعي أو بدون وعي فالمليارات التي تُحرق في ليلة واحدة على شواطئ الصخب الصيفي كفيلة ببناء معامل أبحاث تُغير وجه الاقتصاد المصري. وإذا استمر هذا الخلل السلوكي والقيمي، فسنستيقظ قريباً على جيل كامل يعزف عن العلم، جيل مشوه يسقط الهوية المصرية الأصيلة في مستنقع التحلل والتسطيح.
ورغم قتامة المشهد، يبقى الأمل معقوداً على شموخ رسالة أساتذة الجامعات الذين لم تنحنِ هاماتهم رغم الأعاصير إن التاريخ يثبت أن موجات الجهل والتسطيح عابرة، وأن الأموال الزائفة تتبخر وتترك أصحابها عراة من القيمة، بينما يبقى مداد العلماء وفكرهم هو النور الحقيقي الذي يستضيء به الوطن في الملمات؛ الأمل قائم في يقظة ضمير هذا المجتمع، وفي عودة الدولة لإعادة ترتيب أولوياتها؛ لينتهي زمن الاحتفاء بالسفهاء، ويُعاد أستاذ الجامعة إلى مقعد الصدارة كقائد للتنوير وصمام أمان للهوية الوطنية؛ إن إنقاذ مصر يبدأ من قاعات جامعاتها، لا من صخب شواطئها، ولن تعود للمجتمع هيبته وقيمه الأصيلة إلا إذا أصبح البروفيسور هو النموذج الأعلى للشباب، واستعادت الرأسمالية المصرية رشدها الوطني، لتدرك أن بناء العقول أبقى وأشرف من استعراض العروش الزائفة.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق