الأوكتاغون.. عندما يصبح الأمن القومي استثمارًا في المستقبل




بقلم: سها البغدادي

باحثة في الشأن العربي والدولي


من الطبيعي أن يثير أي مشروع استراتيجي ضخم نقاشًا واسعًا، خاصة عندما يتعلق بالأمن القومي للدولة. وقد جاء افتتاح مجمع القيادة الاستراتيجية الجديد للقوات المسلحة المصرية، المعروف باسم "الأوكتاغون"، ليكون محل اهتمام محلي ودولي، بين من ينظر إليه باعتباره نقلة نوعية في تطوير منظومة القيادة والسيطرة، ومن يربطه بالظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.


لكن عند تناول مثل هذه القضايا، ينبغي الفصل بين الجدل السياسي وبين الحقائق الاستراتيجية. فالدول لا تبني مؤسساتها العسكرية وفق حسابات اللحظة، وإنما وفق رؤية تمتد لعقود، تستند إلى تقدير المخاطر المستقبلية والتحديات الأمنية المتغيرة.


شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في الصراعات الإقليمية، وتغيرًا في طبيعة الحروب التي أصبحت تعتمد على التكنولوجيا والقيادة الرقمية وسرعة اتخاذ القرار. وفي ظل هذا الواقع، أصبح تحديث مراكز القيادة العسكرية ضرورة استراتيجية وليس رفاهية.


ويهدف مجمع "الأوكتاغون" إلى توحيد مراكز القيادة والإدارة العسكرية داخل منظومة متكاملة تعتمد على أحدث وسائل القيادة والسيطرة، بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الأزمات والعمليات العسكرية، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية.


كما أن اختيار العاصمة الإدارية الجديدة مقرًا لهذه المنشآت يرتبط – بحسب التصريحات الرسمية – باعتبارات تتعلق بتأمين مؤسسات الدولة الحيوية وضمان استمرار عملها في مختلف الظروف، وهو توجه تتبعه العديد من الدول التي تنشئ مراكز قيادة بعيدة عن الكثافات السكانية ومناطق الازدحام.


ولا ينبغي تقييم المشروعات الدفاعية بمنطق الربح والخسارة الاقتصادية المباشرة، لأن الأمن القومي يمثل الأساس الذي تُبنى عليه التنمية والاستثمار والاستقرار. فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية وقدرات ردع فعالة تكون أكثر قدرة على حماية حدودها ومقدراتها الوطنية وجذب الاستثمارات.


ومن حق المواطنين أن يناقشوا أولويات الإنفاق العام، كما أن من حق الدولة أن تطور مؤسساتها الأمنية والعسكرية وفق رؤيتها لحماية الأمن القومي. والاختلاف في الرأي حول هذه الأولويات أمر طبيعي، لكنه يجب أن يستند إلى معلومات دقيقة وفهم لطبيعة التخطيط الاستراتيجي بعيدًا عن الانفعال أو التهويل.


إن قوة الجيوش لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة، بل أيضًا بكفاءة منظومات القيادة وإدارة الأزمات وسرعة اتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى "الأوكتاغون" باعتباره استثمارًا طويل الأمد في تعزيز جاهزية الدولة المصرية لمواجهة التحديات المستقبلية، بما يحفظ أمن الوطن واستقراره ويعزز قدرته على حماية مصالحه في منطقة تشهد تحولات متسارعة.

تعليقات

الأكثر مشاهدة

البروفيسور آمال بورقية: «أرابيسك باند» نموذج للإبداع المغربي وأحد أبرز نجوم الأسبوع الثقافي الفني والعلمي لأكاديمية حليم

مجدي الحسيني... عندما يصبح الفن رسالة ويتحول العزف إلى ذاكرة وطن

الفاتح صالح إدريس الفكي يهنئ الإعلامية سيسليا جوزيف مكير بتوليها منصب نائب رئيس سلطة الإعلام ميديا

مشاركة متميزة لشركة FULLER في معرض FIRESEC 2026

همسات الثقافي يطلق مبادرة أمي سر الحياة صانعة الأجيال

جامعة دمياط تتوج إبداعاً عالمياً بنشر ابحاثها العلميه فى الاوساط العلميه دوليا

غدا الرياض تستعد لانطلاق أسبوع النزال لبطولة PFL MENA

أم الدنيا تفرح بأبطالها.. منتخب مصر يكتب ملحمة جديدة بقيادة حسام حسن

مصر في قلوبنا🇪🇬