"وقت مستقطع" مسرحيّة سوريّة تجسّد مظاهر الشرّ التي تلازم كل زمان ومكان
وائل السنهورى
لا شك أن "الشر في الناس لا يفنى وإن قُبروا" كما قال جبران خليل جبران، وتأتي مظاهره في المجتمعات حسب الظروف الخاصة بها، وعندما يكون الحرمان سيّد الظرف ستظهر الشرور الإنسانية بأشكال متعددة وشديدة، لنشاهد ما شاهدناه في مسرحية "وقت مستقطع" التي عُرضت على خشبة القباني وسط دمشق، وأغرقتنا في عوالم يتنافس فيها الأشرار بسرد أسرارهم وقصصهم التي تبدأ من جريمة وتنتهي بالجريمة ذاتها... هذه المسرحية التي ألّف نصّها الكاتب المسرحي جوان جان منذ عام 2017 وأخرجها سهيل عقلة آنذاك، ليعيداها هذه الأيام برؤية متجددة، أي بعد تسعة أعوام من الوقت المستقطع لهما، الوقت الذي كان كفيلاً بتعميق المفاهيم والقيم المطروحة في العمل.
تبدأ حكاية المسرحية من مشهد لفتاة تقتل نفسها بين يدي رجل، ثم لرجلين يجلسان في حديقة عامة يقفل بابها مساء ولا يستطيعان الخروج منها، فيتبادلان أطراف الاعترافات المتكررة لشرورهما في مسيرة حياتهما، فيكونان السجن والسجان لأنفسهما والقاضي والمتهم في ذات الوقت، ويكون أبرز ما يتحدثان عنه هو مفاهيم الشرف أمام الحاجة، وما يقوم به السماسرة والمهربين وأصحاب الصالونات الأدبية المبتذلة ومشترو شهادات الدكتوراه الذين يدّعون العلم، وعن الندم بعد فوات الأوان، وعن الغش و المحسوبيات التي تظلم الكثير من الناس، وغير ذلك من الشرور التي توقظ أفكار وتساؤلات وجدانية تدقّ جرس الإنسانية داخلنا، مثل ما قاله أحد الممثلين خلال العرض: (نحنا بني آدمين أم وحوش؟ ... وأيضا: كلشي بينشرى بالمصاري، الشهادات والأخلاق وكلشي بينشرى بالمصاري.. الخ)، وتظهر الأنثى خلال العرض أمّاً وزوجة وموظفة وضحية وضميراً حياً يشعل فينا الصحوة الغائبة أمام الفقد والحرمان والأخطاء البشرية التي قد تودي إلى الهلاك النفسي والاجتماعي.
استخدم المخرج عقلة في أغلب الأحيان تقنية التجميد بين المشاهد(Freeze frame)، كأداة درامية بصرية يتوقف فيها الممثلون تماماً عن الحركة والكلام في وضعيات مؤثرة محددة، لتكثيف اللحظات العاطفية، والانتقال السلس بين المشهد والآخر الذي يليه، كما أضاف إلى النص بالتعاون مع مؤلفه بعض العبارات المرتبطة بالزمن الحالي، مثل ما ذُكر حول مبلغ معين كبير من المال بأن قال الممثل: يعني احذف صفرين..، وهذا الحذف يأتي بناء على تحديث العملة الجديد الذي حصل في سوريا مؤخّراً، كما اعتمد على ديكور بسيط يقتصر على المقعد الخشبي خلفه سلسلة كبيرة (جنزير) لتحويله إلى أرجوحة في بعض المشاهد، وجذع صغير خشبي يزوّد بقطعة خشب مستطيلة تركّب على شكل ميزان يواجه طرفاه مواجهات مريرة وقاسية. فالأرجوحة والميزان رمزان سينوغرافيان غنيّان يعبّران عن التذبذب والتقلّبات النفسية والاجتماعية للشخصيات، وقد يدلّان على المواجهة و التحرّر، والصعود والنزول أيضاً.
يكشف لنا العرض أن الجريمة التي بدأت فيها المسرحية، هي عبارة عن انتحار فتاة كحالة ناجمة عن اتفاق هذين الشخصين الشريرين الجالسين في الحديقة من أجل استجرار هذه الفتاة إليهما، موجّهان أصابع الاتهام لبعضهما، ومستذكران ما حصل معهما منذ أكثر من ثلاثين سنة أثناء هذه الحادثة، إذا تعد مسرحية (وقت مستقطع) التي مثّل فيها: سهيل عقلة ومادونا حنا وتاج ضيف الدين، عملا نقديا ساخرا للواقع الاجتماعي، يترك للمتلقي مجالاً مفتوحاً لمحاكمة هؤلاء الأشرار والضحية أيضاً، والإجابة عن التساؤلات الكبيرة التي تركها لنا، وأتركها لكم هنا: هل نحن في هذا الزمن الذي وصلنا إليه بشر أم وحوش على هيئة بشر؟ وهل المال يشتري كل شيء حتى الأخلاق والعلم؟!.
بدأ العرض للجمهور مساء الخميس 29/1/2026 وسبقه بيوم عرضاً خاصاَ للإعلاميين والناقدين والمهتمين بالمسرح من أجل مناقشة العرض والأخذ بملاحظات الحضور، وهذه نقطة تحسب لفريق العمل كاملا لأنها خطوة بنّاءة في سبيل الحرص على تقديم العمل بأفضل صورة ممكنة تجمع العديد من وجهات النظر.
وقد كتب المؤلّف جوان على صفحته عبر الفيس بوك أن الخط البياني في ثالث أيام العرض بالنسبة لحضور الجمهور في تصاعد وهو أمر مألوف في مسرحنا السوري، إذ تتصاعد وتيرة حضور الجمهور للأعمال المسرحية لتصل إلى ذروتها في الأيام الأخيرة.

تعليقات
إرسال تعليق