الرقص طقوس بهجة و دلالات رمزية
دراسة نجلاء احمد حسن
باحث دكتوراه الأنثروبولوجيا الثقافية
أدخلت الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة المصرية الفعاليات الثقافية والفنية عصراجديد متطورا ليشعر رجل الشارع المصري بالبهجة و العدالة الثقافية . فالجميع من حقه ان يتذوق طعوم الثقافة والفنون المتنوعة المصرية والعالمية وهي من وظائف وزارة الثقافة المصرية
وقد تعود الجمهور العام عرض تلك الفعاليات ما بين فنون الرقص الشعبي والرقص التعبيري بين أروقة الوزارة والبيت الفني للمسرح والفنون الشعبية؛وقد تم تحرير هذه الفعاليات الثقافية الراقصة الى فضاء حركة المواطن اليومية بمحطات مترو الانفاق وطرحها لجمهور عام و نوعي جديد دخلت هذه العروض النوعية ومنها مهرجان اليوم العالمي للرقص من ٢٩ابريل و المزمع ختامه يوم الأحد ٣مايو٢٠٢٦ بمكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك
وقد حضرت يومي الرقص التعبيري في مكتبة القاهرة بالزمالك
والرقص المعاصر وهو فن حركي يهدف إلى تجسيد المشاعروالأفكار الداخلية بحرية تامة، بعيداً عن قيود الباليه الكلاسيكي الصارمةمعتمداً على حركات جسدية انسيابية نابعة من الروح والجسد، مما يجعله أداة فعالة للتعبير عن الذات، وإيصال رسائل فنية فلسفية عميقة،تعد في بعض المدارس كنوع من العلاج النفسي الفني.
ومن مميزات وأهداف الرقص التعبيري الحرية الفنية انه لا يشترط خطوات ثابتة، بل يركز على تحسيد المشاعر الشخصية عبرانفعالات جسد الراقص مع الموسيقى.ويُستخدم الرقص للتعبير عن الذات وكوسيلة للتواصل مع الروح وتفريغ الطاقة.
ظهر الرقص التعبيري المعاصر في بداية القرن العشرين كحركة مضادة للباليه التقليدي الآلي ليناسب جميع الأعمار ويوفر مساحة شاسعة للإبداع الفردي ؛لاستكشاف رموز وتعبيرات لغة الجسد وتحويل الإيقاع الموسيقي إلى حركات فنية تجسد الأفكار، مما يجعله تجربة ممتعة وممدهشة للراقص وللمتلقي لتلك المعاني والأفكار التي يعبر عنها جسد الراقص
فماهي قصة الرقص وتاريخها ولماذا ارتبطت بالسعادة والبهجة؟
منذ عصر الغابة وحتى العصر الحديث أرتبط الرقص بالعديد من الطقوس والفنون ، والمراسم التي صاحبت حياة الانسان حيث نقش رقصاته على جدران الكهوف والمعابد ، معبرا عن حالته النفسية والوجدانية كالإستعداد للقتال والفرح والحزن، والقلق والألم وأظهرت الدراسات أن المناطق الحركية في الدماغ تتوهج بممارسته فهناك إرتباط وثيق بين المناطق السمعية والحركية في الدماغ وبطبيعة الحال إرتبط الرقص بالموسيقى والإيقاع وأختزلت معهما رسائل ذهنية وفلسفية وتعبيرات متنوعة
ومنها انواع شتى مثل ما يؤدى خلال الإحتفالات الدينية من رقصات تعبيرية رمزية للتقرب بها من الآلهة او للحصول على مباركتها. (إياد محمد حسين وعامر محمد حسين 2013: 74) الرقص الصوفي ورمزية الحركات الراقصة" المولوية أنموذجاً "
يمكن تعريف الرقص بأنه سلوك إنساني يتشكل من مجموعة متوالية حركية وإيقاعية غير لفظية هادفة، ومنتظمة، تعتمد تلك المتواليات على إيقاع منتظم، وتتميز عن الأنشـطة الحركية العادية، وللرقص قيم جمالية ذات دلالات رمزية عميقة من حيث الزمان والمكان والجهد الإنساني المبذول . فالرقص نشاط عضوي ووجداني معقد، مؤطر ثقافيًا، ومُنمط اجتماعيًا. (Hanna, L. Judith 2010: 222)
فيعتمد علم الرقص العرقي (إثنولوجيا الرقص) على فهم الحركات والطقوس في سياقاتها الثقافية والاجتماعية المحددة للجماعات الانسانية داخل الثقافة الواحدة
و تعد الباحثة الأمريكية جيرترود كيراث Gertrude Kurath من رواد التحليل المنهجي الأنثربولوجي للرقص، إذ وضعت مصطلح علم الرقص Choreology أو الدراسة العلمية للرقص عام 1960؛ للإشارة إلى أنثروبولوجيا الرقص، حيث يدرس علم الأنثروبولوجيا الرقص كظاهرة ثقافية واجتماعية معقدة، فهو ليس مجرد فن بصري بل وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية والقصص والقيم والمعتقدات.
يُنظر إلى الرقص كـ "نص اجتماعي" يُظهر العلاقات الاجتماعية والاختلافات الطبقية بالمجتمع ، ويعمل كشكل من أشكال التواصل غير اللفظي الذي يمكن أن يعكس أو يُشكل الهياكل الاجتماعية والسياسية.
إن الرقص يمثل حركات منتظمة ترتبط باهداف ومقاصد و معانٍ إنسانية واعية، و يعد أحد وسائل التعبير ويمثل خطابًا غير لفظي، وتعبيرًا مرئيًا عن قضايا وقيم ومضامين اجتماعية ورمزية، يتم فهمه من خلال البناء الثقافي والسياق التاريخي للمجتمع. وكما ورد في كتاب جون بلاكينج (1928-1990) movement and Meaning: Dance Anthropology وهوعالم أنثروبولوجيا أجتماعية ، والذي صدرت طبعة منه في عام 2018. بان الرقص هو وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية للفرد والجماعة يجسد القيم والعادات والتقاليد بل واداة للتواصل في المجتمعات البدائية وتعبير عن الذات في المجتمعات الحديثة
تركز دراسات الرقص كظاهرة اجتماعية وثقافية منتشرة كما أن الرقص يجسد في ذات الوقت تعبير المجتمع عن هويته وقيمه. وتعبيرًا بالتالي عن مقاومته الناعمة للضغوط الخارجية لجرح هويته. (أندرو إدجار وبيتر سيدجويك 2009: 264) وبمثابة نافذة للشخص لرؤية العالم. إن الصور الجمالية – كالرقص – قد تجسد القلق الإنساني والطموحات والآمال والآلام والقيم
إن الرقص باعتباره مظهرًا من مظاهر الثقافة المحلية، ومؤشرًا على هوية الجماعة يمثل تحديًا ثقافيًا لضغوط الحداثة والعولمة التي تدمر بلا هوادة الثقافة المحلية لصالح الثقافة الكونية ، وتمحق الخصوصيات الثقافية لصالح قيم حداثية رأسمالية متوحشة، وتفرغ الواقع من مضامينه الإنسانية والأخلاقية.
وإستلهاما من أعلان الوزارة المعلن عن مهرجان الرقص الحديث في نسخته السادسة والذي احتوى على تصوير رمزي للراقص مرتديا التنورة وممسكا بعصا التحطيب وهو أشهر انواع الرقص المصري التحطيب، في مصر له جذور تاريخية تصل لمصر القديمة، تم تسجيله في اليونسكو كأحد عناصر التراث الثقافي اللامادي
فقد كان أحد أشكال الفنون القتالية حيث وجدت مشاهدها على نقوش المعابد الفرعونية القديمة في معابد دندرة والأقصر، وتوارثتها الأجيال، وأصبحت فنا يعشقه أهالي الصعيد واهالي مصر المحروسة طولا وعرضا شمالا وجنوبا . ويعدّ اليوم من الألعاب الاحتفاليّة التي حافظت على جزء من الرموز والقيم المرتبطة
وتعبر لعبة التحطيب «غِيَّة الرجال» هذه تجسيدا للمروءة والشهامة والمنافسة التي لا تعرف الخصومة، فرغم اعتمادها على فكرة القتال بما يعنيه من هجوم ودفاع، وانتصار وخسارة، فإنها تعكس معانى إنسانية جيدة مثل روح الجماعة، والدفاع عن الكرامة، واحترام الآخر، وقد صنف الدكتور «خالد أبو الليل» أستاذ الأدب الشعبى بكلية الآداب جامعة القاهرة «فنا اجتماعيا» من الدرجة الأولى، يؤدي وظائف نفسية واجتماعية، ووسيلة فعالة لتفريغ الطاقة بشكل سلمي، حيث لا مجال للثأر في ممارسة التحطيب
ومن ثم فالرقص بجميع أنماطه هو ممارسة وجدانية وانسانية يحمل ثقافة وهوية وحالة انسانية تتجاوز الحواجز اللغوية والاجتماعية والثقافية
تحية إعزاز وتقدير للدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة المصرية التي أستطاعت ببراعة تشخيص الفجوة بين عروض وزارة الثقافة واسرة رجل الشارع المصري وكل التحية والتقدير لرئيس قطاع المسرح للاستاذ الدكتور ايمن الشيوي مايسترو العمل الفني والاداري بقطاع المسرح

تعليقات
إرسال تعليق