كيف تشتري لعمرك عمرا آخر!!؟
بقلم – الحسانين محمد
تعيش الكلمات للأبد لوأَحيَتْ حروفها نبضاً تجمد في مرارة الأيام، وتعود روح صاحبها للحياة بما خطًت يده، وتصبح صدقة جارية عندما تكون علما ينتفع به .أو فكرة تهدي حيرانا في دروب الحياة، وأثمن الكلمات تأتي دائما في خريف العمر عند قرب اكتمال المشاهد الأخيرة لمسرحية الحياة، ففي هذه المرحة تكاد تتلاشي ضوضاء الرغبات العارمة، ويخفت ضجيج الصراعات، وتجد السكينة فسحة في النفس بعد أن تلاشت دوائرالصراعات، ونبتت زهور اليقين في أطراف رحم مخاضات الأيام.
لم يكن أبدا نضج التكيف في هذه المرحلة استسلاماً للوهن، بقدر ما هو قدرة جديدة مشبعة بفن الانتقاء بعد أن تكشفت رؤي الخيوط المتشابكة لدراما الحياة، وعند التكشف يدرك المرء أن المعارك التي استنزفته عمرا طويلا لم تكن دائماً تستحق ما دفعه من ثمن، وهنا يجب أن تتحول استراتيجية مواجهة عواصف الأيام من المقاومة والمجابهة بصدور عارية وقبضات مشدودة، إلى الاحتواء بنضج مسلح بمرونة التكيف الوجودي لأن الحياة بكل ما فيها لا تستحق، وفي هذا المعني يقول الفيلسوف الرواقي "إبكتيتوس":"لا تحاول أن تجعل الأحداث تسير كما تشتهي، بل تمنّ أن تقع الأحداث كما تقع بالفعل، وحينها ستسير حياتك بسلام."
إن التكيف الناضج يتطلب التخلي عن وهم السيطرة والقدرة علي تغيير ما لا يمكن تغييره في طباع البشرالتي جبلوا وطبعوا عليها، والتركيز بدلاً من ذلك على حماية قلعة استقرارك النفسي الداخلي بكل أوتيت من حكمة صقلتها تجارب الأيام، فتعلم كيف تزهد وتترفع عن الصراعات التافهة، وتزهد في شهوة إثبات الذات للآخرين، وزهد الإكتفاء والتخلي وعدم التعلق بالنتائج، إن فلسفة الزهد في خريف العمر ليس فقراً أو ضعفا اختيارياً، بل هو استغناء ذكي وتخفف مما لا يستحق، من أجل التحليق الآمن وسط عواصف الزمن، فكثرة الأمتعة تعيق المسافر، وقد تعوق وصول رحلته للجوهرالذي عاش يبتغيه، وعن هذه الحقيقة الغائبة لطبيعة الحياة الدنيا قال الرسول المصطفيﷺ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا". وكان جلال الدين الرومي يرى أن النضج هو عملية تعرية للروح من أثوابها الزائفة ويقول: "عليك أن تستمر في كسر قلبك حتى ينفتح" أي عليك أن تستمر في كسر القشرة الصلبة في قلبك بالزهد في ما يشتهيه، حتي تصل إلى اللب الصافي الذي تري فيه الجمال داخلك.
عندما تصل إلي عمق حكمة خريف العمر، سوف تجد المتعة في تذوق اللحظة التي تعيشها، وليست في امتلاك الأشياء، وقتها سوف تكتشف بداخلك قدرة عجيبة علي مشاهدة تقلبات الحياة كأنها فيلم سينمائي، تعرف يقينا أنه واقع مصطنع وتمثيلي، فتمتلك زمام عواطفك ولا تنخرط انخراطا مدمرا بعواطفك مع كل مشهد جديد. في خريف العمر سوف تكتشف أن أثمن ما تملكه هو قدرتك على الهدوء وسط العاصفة، وأن نضج التكيف هو انتصار يستحق الإجتهاد بعزيمة لتحقيقه، لأنه البوابة الملكية لسلامك الداخلي، والحصن الذي لا يمكن للتجاعيد أو السنين أن تهدمه.
الزهد تصالح ورؤية ثاقبة للحقيقة التي نتجاهلها عمدا وهي أن الحياة إلي فناء مهما طالت أوقصرت وتلك هي دورة الطبيعة الكونية التي نتعامي عنها لننخرط في لعبة الحياة العبثية، والطريق إلي الزهد يتطلب امتطاء الصمت والتخفف من أحمال الجدل واغلاق صوت ضجيج الصراعات واطلاق العنان للبصيرة في التأمل، ومن بلاغة الحكمة عند الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في تعريف الزهد قال: «الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ)، وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَلَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْه" وفي الزهد أيضا قال الفيلسوف الألماني "أرثر شوبنهاور":"إن ما يمتلكه الإنسان في نفسه، هو أهم بكثير مما يمتلكه في يده."
نحتاج اللجوء إلي الزهد كل ما انفرطت حبات أيام الربع الأخير من العمر ويجرفنا الحنين لفتات ما تبقي من ذكريات طفولتنا وصبانا عندما كانت الأم وطنا للحنين والأب درعا وقلعة نتحصن به وفيه من أهوال الأيام والسنين، وعندما تصفعنا رياح الواقع العاتية بغبارها الثقيل مؤكدة لنا أن هذا حلم مستحيل، لنندرج خطوات في محطات العمر ونقف علي أعتاب محطة استحضار ضحكاتنا البريئة وسعادتنا العفوية بمشاركة صغارنا لهوهم الطفولي.
نستطيع أن نشتري لأنفسنا عمرا آخر فوق عمرنا، عندما نتلذذبالسكينة النفسية ونمشي بين الناس بأجسادنا وقلوبنا وأرواحنا تسكن في جنة الرضا والحمد والقناعة الداخلية والدعاء بالقول والقلب "الحمد لله الذي جعل في التخلي عين التحلي، وفي الزهد تمام الغنى"، لنتحصن بهذه السكينة إذا عادت عواصف الواقع لتذكرنا أن الأماكن والزمان والجدران والأرواح التي كانت معنا وحولنا ذهب كل منهم في طريق، يليق بنا في خريف العمر، أن تبتسم أرواحنا للعالم، بعد أن أدركت أن كل ما مضى كان تمهيداً لهذه المرحلة من الصفاء والسكينة، حتي لا يبقى في القلب إلا ما يقويه حتي نلقي الله بقلب سليم.

تعليقات
إرسال تعليق